الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

133

مختصر الامثل

التجارة المربحة مع اللَّه : بعد أن أشارت الآيات السابقة إلى مرتبة الخوف والخشية عند العلماء ، تشير الآيات مورد البحث إلى مرتبة « الأمل والرجاء » عندهم أيضاً . يقول تعالى أوّلًا : « إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَوةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ » . إنّ « التلاوة » هنا لا تعني مجرّد القراءة السطحية الخالية من التفكر والتأمل ، بل قراءة تكون سبباً وباعثاً على التفكّر ، الذي يكون بدوره باعثاً على العمل الصالح ، الذي يربط الإنسان باللَّه من جهة ، ومظهر ذلك الصلاة ، ويربطه بخلق اللَّه من جهة ثانية ، ومظهر ذلك الإنفاق من كل ما تفضّل به اللَّه تعالى على الإنسان . هذا الإنفاق تارةً يكون ( سرّاً ) ، فيكون دليلًا على الإخلاص الكامل ؛ وتارةً يكون ( علانية ) فيكون تعظيماً لشعائر اللَّه ودافعاً للآخرين على سلوك هذا الطريق . الآية الأخيرة من هذه الآيات ، توضّح هدف هؤلاء المؤمنين الصادقين فتقول : إنّهم يعملون الخيرات والصالحات « لِيُوَفّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُم مّن فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ » . هذه الجملة تشير إلى منتهى إخلاصهم ، لأنّهم لا ينظرون إلّاإلى الأجر الإلهي . وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ ( 31 ) ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ ( 32 ) بعد أن كان الحديث في الآيات السابقة عن المؤمنين المخلصين الذين يتلون الكتاب الإلهي ويطبّقون وصاياه ، تتحدث هذه الآيات عن ذلك الكتاب السماوي وأدلّة حقانيته ، وكذلك عن الحملة الحقيقيين لذلك الكتاب ، وبذا يستكمل الحديث الذي إفتتحته الآيات السابقة حول التوحيد ، بالبحث الذي تثيره هذه الآيات حول النبوّة . تقول الآية الكريمة : « وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ » . جملة « مُصَدّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ » دليل آخر على صدق هذا الكتاب السماوي . جملة « إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ » توضّح علة حقانية القرآن وإنسجامه مع الواقع جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ ( 33 ) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ ( 34 ) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ ( 35 )